الصالحي الشامي

90

سبل الهدى والرشاد

الباب التاسع عشر في نفقته صلى الله عليه وسلم وروى أبو داود والبيهقي عن أبي عامر عبد الله قال : لقيت بلالا مؤذن النبي صلى الله عليه وسلم بحلب فقلت : حدثني كيف كانت نفقة النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما كان له شئ من ذلك ، إلا أني الذي كنت آتي ذلك منه منذ بعثه الله تعالى ، إلى أن توفي ، فكان إذا أتاه الإنسان فرآه عاريا يأمرني فأنطلق ، فأستقرض ، فأشتري البردة ، والشئ ، فأكسوه وأطعمه ، حتى اعترضني رجل من المشركين ، فقال : يا بلال إن عندي سعة ، فلا تستقرض من أحد إلا مني ، ففعلت ، فلما كان ذات يوم توضأت ، ثم قمت لأؤذن بالصلاة ، فإذا المشرك في عصابة من التجار ، فلما رآني قال : يا حبشي قلت : لبيك فتجهمني ، وقال قولا غليظا ، فقال : ألا ترى كم بينك وبين الشهر ؟ قلت : قريب ، قال : إنما بينك وبينه أربع ليال ، فاخذك بالذي عليك ، فإني لم أعطك الذي أعطيتك من كرامتك ، ولا من كرامة صاحبك ، ولكن أعطيتك لتصير لي عبدا ، فأذرك ترعى الغنم ، كما كنت قبل ذلك ، فأخذ في نفسي ما يأخذ في أنفس الناس ، فانطلقت ، ثم أذنت بالصلاة ، حتى إذا صليت العتمة ، رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله ، فاستأذنت عليه ، فأذن لي ، فقلت : يا رسول الله ، بأبي أنت وأمي ، إن المشرك الذي قلت لك إني كنت أتدين منه قد قال : كذا وكذا وليس عندك ما تقضي عني ، ولا عندي ، وهو فاضحني ، فأذن لي أن آتي بعض هؤلاء الأحياء الذين أسلموا حتى يرزق الله تعالى رسوله ما يقضي عني ، فخرجت حتى أتيت منزلي فحملت سيفي وجرابي ورمحي ، ونعلي عند رأسي ، واستقبلت بوجهي الأفق ، فكلما نمت انتبهت ، فإذا رأيت علي ليلا نمت ، حتى انشق عمود الصبح الأول ، فأردت أن أنطلق ، فإذا إنسان يسعى يدعو : يا بلال أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فانطلقت ، حتى أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا أربع ركائب عليهن أحمالهن ، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فاستأذنت ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أبشر يا بلال ، فقد جاءك الله تعالى بقضائك ، فحمدت الله تعالى ) ، فقال : ألم تمر على الركائب المناخات الأربع ؟ قال : فقلت : بلى ؟ قال : فإن لك رقابهن ، وما عليهن ، فإذا عليهن كسوة ، وطعام ، أهداهن له عظيم فدك قال : فاقبضهن إليك ، ثم اقض دينك ، قال : ففعلت ، فحططت عنهن أحمالهن ، ثم عقلتهن ، ثم عدت إلى تأذين صلاة الصبح ، حتى إذا صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح ، خرجت إلى البقيع ، فجعلت أصبعي في أذني ، فناديت ، وقلت : من كان يطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم دينا فليحضر ، فما زلت أبيع وأقضي حتى لم يبق على رسول الله صلى الله عليه وسلم دين في الأرض ، حتى فضل عندي أوقيتان ، أو أوقية ونصف ، ثم انطلقت إلى المسجد وقد ذهب عامة النهار ، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد في المسجد وحده